ربك رب قلوب


ربك رب قلوب 




بقلم المحامية : رباب عبده 
نشر بتاريخ : 2/3/2019

منذ أيام قليلة قرأت منشور على احد مواقع التواصل الاجتماعي وكان يتحدث عن مشكلة ربما بعضاً منا لا يراها ، وربما البعض الآخر يراها ولكنه يفضل غض الطرف عنها طواعية واختيارا ، وهي مشكلة أشخاص لا ذنب لهم في أنهم كانوا ضحايا لبعض حالات الحروق والتي نجم عنها تشوهات جسمانية ظاهرية ، نتج عنها تشوهات نفسية غير ظاهرة للكافة ، فمن منهم كان يتصور أن يمر بتلك التجربة الصعبة وما يتبعها من سلسلة تجارب متتالية اكثر صعوبة من تجربة التعرض للحريق والسنة اللهب التي التهمت أجزاء من أجسادهم ، وتركتهم يعانون من آلام هذا المصاب لفترات يصعب تحديد مدتها ، فتداعيات هذه الإصابة والمها النفسي اظن أنها اصعب الف مرة من لحظة التعرض لألسنة اللهب رغماً عن المها وقوتها ، أظن أن ما قرأته من احد الأشخاص والذي كان يكتب عن معانته الشخصية في أنه أصبح غير مقبول ( اجتماعياً ) لأنه من مصابي الحروق ، فضلاً عن حالة الرفض التي يقابلها بكل مكان يريد أن يعمل به ويتكسب من عمل يده ، أظن أن لسان حال الرجل كان يريد أن يقول  : أنا لم أختر أن تشوه النار وجهى او يدي او جسدي ، ولكن المجتمع من حولي يرفضني وينفر مني ، وهو آمر لا يد لي فيه ، ÷و قدر من المولى عز وجل وأنا ارتضيت به ، ولكن المجتمع المحيط بي يرفض قبول هذا القدر ، ولما يرفضه ؟ فأنا من احمل تبعات معاناته وأنا من المح نظرات الشفقة في اوقات قليلة أو نظرات الخوف والجزع في أوقات كثيرة !
لعل حادث #قطار_محطة_مصر الأخير كان هو المحرك لي لكتابة هذه السطور ، فبعد ما قرأت من كتابات بعض مصابي حوادث الحروق ، وما يعانونه من ألم نفسي نتيجة عدم قبول البعض مننا أن هذا الشخص يعانى من جراء حادث ليس له يد به ، بل ويتقبله بقلب مؤمن بإرادة الله ، وأن كل ما يمر بنا من محن ، ربما تكون في بعض الأوقات منح ربانية ، ليقاس بها قدرتنا على الصبر في البلاء والشدة .
هذا الحادث نتج عنه وفقاً لما أعلنت عنه وزارة الصحة ما يزيد على الاربعون مصاب ، وهم بطبيعة الحال جميعهم مصابون بحروق من الدرجة الثانية والثالثة ، نعم سينجون من هذا الحادث المأساوي ، ولكن هل فكرنا جميعاً في تبعات ما تركه هذا الحادث عليهم من آثار ؟ لا اتحدث في هذا المقام عن آثار للحروق على أجسادهم ، ولكنى اتحدث عن ندبات قوية تركها الحادث علي انفسهم ، وتلك الندبات لعلها لن تكون قابلة للالتئام بشكل طبيعي مع مرور الزمن ككافة الجروح التي يتعامل معها الجسم ويتعافى منها ، وقناعتي هنا جاءت بناء على أننا كمجتمع ، او دعني أقول اكثرنا ما زلنا غير مؤهلين على التعامل نفسياً مع مصابي حوادث الحروق ، والتي لا تزول آثارها مع مرور الزمن ، وهو ما يعمق من مساحة هذه الجروح والندبات ويجعلها متجدده كل يوم ، بل كل لحظة يلمح فيها هذا المصاب المبتلى نظرة شك او جزع او خوف او عدم قبول وهو يتعامل مع دوائر المحيطون به ، أو ممن لا يعلمون عنه شيء فيرفضونه بسبب آثار هذه التجربة على ملامحة .

هل يمكن أن نتخذ من هذه الحادثة المأساوية نقطة ننطلق منها نحو مبادرة مجتمعية ، بل مبادرة إنسانية واخلاقية نحو تغيير النظرة المجتمعية الغير إنسانية والغير منصفة لمصابي حوادث الحروق ، لا اتحدث هنا من خلفية دستورية تتحدث عن أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات ولا تمييز بينهم بناء على جنس او دين او عرق او حتى طبيعة إصابة ، وايضاً لا اتحدث هنا بناء على عقيدتي الحقوقية والتي اؤمن من خلالها أننا جميعاً خلق الله لنا كافة الحقوق وعلينا كافة الواجبات ، وبأن فكرة التسامح وقبول الآخر هي ما يجب أن يسود فعلاً وعملاً وليس قولاً فقط .

اتحدث في هذا المقام من منطلق إنساني بحت يؤمن بأن قبولنا الحقيقي لمصابي حوادث الحروق ، وليس التظاهر بهذا ، سيكون احد الخطوات الجادة والهامة علي طريق شفائهم التام والكامل من آثار هذه الحوادث المفجعة ، والتي كانت سبب في مصابهم النفسي ، قبل أن يكون جسدي وظاهري ، لعلنا بحاجة ماسة الي أن ندرك أن التعامل بطبيعية وبدون جزع وبقبول كامل وانساني مع مصابي حوادث الحروق سيكون بداية جديدة لنا ولهم ولمجتمعنا بالكامل ، ولا اريد أن يبادر كل من يقرأ كلماتي بقول ( انا بتعامل كويس مع أي مصاب من مصابي الحروق ) ، بل ادعوه وكل من يتصادف وأن يقرأ تلك السطور بأن يبادر بتقديم ابتسامة طيبة وحنونة لكل من عساه يقابله بالصدفة او بطبيعة التواجد في العمل او في دوائر معارفه من مصابي حوادث الحروق ، ولعل تلك الابتسامة ستكون جسراً يحقق له العبور فوق الآثار النفسية لإصابته ، ولعلها ايضاً تكون بمثابة دعم نفسي مباشر له من مجتمعه ، ليشعر من خلالها بأن المجتمع لا يرفضه لسبب لا يد له فيه ، دعونا نبحث عن كل ما يضيئ لنا ولهم الطريق ، دعونا نعمم مفهوم جبر الخاطر وهو من اعظم ما يمكن أن يقدمه المراء لغيره ، دعونا نؤكد بشكل عملي على أن تبسمنا في وجه اخينا صدقه عظيمة ، وأن ربنا رب قلوب ، دعونا نبحث عن الإنسانية في قلوبنا ونقدمها هدية الى من تركت الظروف اثاراً سلبية على نفوسهم الطيبة قبل أن تتركها على أجسادهم .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إختيار...وَاحِدٌ لَا يَكْفِي