أخلاق الحواري
أخلاق الحواري
!
بقلم : محمود البدوي
نشر بتاريخ 30/6/2019
بداية اقر وأعترف بأنى تربية حواري ، وبأن أخلاقي اخلاق
حواري ، ايوه والله ياعم شايفك هناك واقف بتقول هوا الجدع ده بيقول ايه ؟ انا
بقولك وانا مسئول عن كلامي هذا ، ولي كل الفخر والشرف ، ولكن قبل أن تقفز الي ذهنك
تلك الصور السلبية التي تم تصديرها الي الناس حول الحارة وأهلها ، ببعض الأعمال
الدرامية ، والتي عمدت الي تشويه الوجه الحقيقي للمناطق الشعبية وأهلها عن طريق
الخلط بين المناطق الشعبية والمناطق العشوائية ، وشتان الفارق بينهما ، تعالى
هاحكيلك شوية عن الحارة المصرية .
كلامي هنا ليس من منطلق دراسة وبحث في تاريخ المناطق
الشعبية ، وكلام تأريخ وبحث وكتابات وقصص وروايات ..... لا خالص انا بكلمك من
منطلق نشأتي في واحد من اعرق واقدم احياء القاهرة وهو حي بولاق أبو العلا ، والذي
يرجع تاريخه الي عام 1771 ، كجزيرة اطماها النيل فتكونت تلك البقعة الكبيرة التي
قامت عليها فيما بعـد دار المطبعة الاميرية في عهد محمد على باشا ، والورش
الحكومية ، مصلحة الوابورات (السكك الحديد) ، واصبح ساحلها ملتقي للتجار القمح والزيوت
، والذي كان يربط بينه وبين جزيرة الزمالك ، كوبري أبو العلا الذي تم افتتاحه عام
1912 في عهد الخديوي عباس حلمى الأول ، بمعرفة شركة انشاءات فرنسية اسمها (فيف
ليل) ، وتم تنفيذ الجزء المتحرك منه بمعرفة شركة أمريكية اسمها (شيرزر) ، وان
المسئول عن بناء هذا الكوبري ، وكذا كوبري إمبابة وكوبري بنها و الجسر المعلق
بحديقة الحيوان من دون استخدام مادة لحام هو (الكسندر جوستاف ايفل) المهندس
الفرنسي الشهير ومصمم برج ايفيل بباريس ، بيد أن هذه التحفة المعمارية تم رفعها من
مكانها عام 1998 ، ويرقد مفككاً اسفل كوبري الساحل بروض الفرج ، بعـد أن كان آثر
لا يقل أهمية عن برج ايفل بالعاصمة الفرنسية ، وهو ذات الحى الذي شهد له الجبرتي
والرافعي وكذا قادة الحملة الفرنسية أنفسهم ، بأن أهلها هم من قادوا ثورة القاهرة
الثانية يوم 20 مارس 1800 ضد المحتل الفرنسي ، بينما كانت معركة عين شمس قائمة بين
المصريين والجيش الفرنسي بقيادة كليبر .
نرجع تاني لموضوعنا وهو اخلاق الحواري ، ولمن لا يعرف عن
ادبيات وطبائع الحارة المصرية سأذكر لك لمحات بسيطة ، لكى تدخل معي داخل هذه
الصورة الجميلة وإن كنت على يقين تام من أن (اللي شاف غير اللي سمع) ، ففي الحارة
تعايش سلمي حقيقي بين كل الناس فالكل اهل وأصحاب ، ولذلك لا تستغرب لو سمعت القرآن
يقرأ من مذياع جارك المسيحي قبل الإفطار في شهر رمضان ، عادي خالص ، وكمان هناك
هاتعرف ان لو عندك مشكلة فهي مشكله اهل الحارة ككل ، هاتعرف انك مش وحيد ، فالكل
اهلك وعزوتك وسندك الحقيقي ، فلو مرضت تلاقي كل الناس بتسئل عنك بحب ، كمان هاتشوف
في وقت الأزمات معدن أولاد البلد في التكاتف والتكافل ، في الحارة ها تعرف ان بنت
منطقتك هي اختك وانك ملزم بحمايتها ، في الحارة الكبير بيحترم الصغير ، وان جيرانك
يبقوا اخوالك او اعمامك بدون نسب او مصاهرة ، في الحارة لو في عـز الليل قولت
الحقوني هتلاقي كل الناس بتجري عليك بحُب عايزين يطمأنوا عليك ، في الحارة ها تشوف
شباب بيتجمع على طرابيزة البينج بونج ، او يقسموا بعض فريقين ويلعبوا الكٌرة
الشراب ، ولما يجي رمضان هتلاقي نفس الشباب ملمومين يعملوا زينة رمضان بالورق
الملون ويعملوا فروع تتعلق بعرض الحارة وفي نصفها مجسم كبير لمسجد او للكعبة ، في
رمضان كمان هناك تلاقي اطباق من الاكل والحلويات طالعة نازلة من بيت لبيت متعرفش
مين بيجامل مين ولا الصنف اللي على طبلية بيتكم ده من عمايل ايد امك ولا من ايد
جارتكم !
في الحارة لو في فرح هتلاقي كلا الناس بتنزل تكنس وترش
الأرض ، وتلاقي الشباب يعملوا على الأرض تابلوهات بنشارة الخشب الملون مجاملة
للعروسين ، مش مهم مين دفع ومين لون ومين جاب النشارة ، المهم ان الحارة كلها تكون
مبسوطة وفرحانة ، وفي حالة الوفاة مستحيل تسمع صوت راديو او تلفزيون فالحارة
جميعها في حالة تضامن معك في احزانك ، وفي أوقات الامتحانات مستحيل تسمع صوت عالي
وممنوع الأطفال تعمل دوشة لأن أولاد جارتنا بيذاكروا وعندهم امتحانات ، في الحارة هاتعرف معنى كلمة لك كبير يترد عليه
، مش شرط ان الكبير ده يكون قريبك ، لأ خالص الكبير بيكون حد كل الناس بتحبه
وتحترمه وتسمع كلامه من منطلق محبة وثقة واحترام مش خوف ، وانه لو ليك حق الكبير
هايجبهولك ، ولو عليك حق لازم ترده بالحب والمعروف ، في الحارة حتى لو انتا شاب
بتاع مشاكل مستحيل تكون وحش مع اهل منطقتك
، وبيبان في وقت الشدائد معدنك واخلاقك النابعة من حب واحترام الحارة وأهلها .
علشان كده أستغرب بشده من الناس الي اتخذت من كلمة (انت
تربية حواري) مادة لوصم الأخرين ، لأنهم لو عرفوا عن الحارة والمناطق الشعبية ،
سيعلمون أنها خير مُعبر عن روح واخلاق وطبائع الشعب المصري واصالته ، ولذلك أقول
بكل فخر انا ابن الحارة المصرية ، ابن المنطقة الشعبية ، أبن حي بولاق أبو العلا
وافتخر بهذا ، وافتخر ايضاً بأنني تربيت على اخلاقيات وأدبيات وطبائع الحارة
المصرية ، افتخر بأن نشئتي وتربيتي كانت بالحارة المصرية الأصيلة .

تعليقات
إرسال تعليق